الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
206
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كانت الداعي الأقوى لانفضاضهم . وجملة وَتَرَكُوكَ قائِماً تفظيع لفعلهم إذ فرطوا في سماع وعظ النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أي تركوك قائما على المنبر . وذلك في خطبة الجمعة ، والظاهر أنها جملة حالية ، أي تركوك في حال الموعظة والإرشاد فأضاعوا علما عظيما بانفضاضهم إلى التجارة واللهو . وهذه الآية تدل على وجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة إذ لم يقل : وتركوا الصلاة . وأمر اللّه نبيئه صلى اللّه عليه وسلّم أن يعظهم بأن ما عند اللّه من الثواب على حضور الجمعة خير من فائدة التجارة ولذة اللهو . وكذلك ما أعد اللّه من الرزق للذين يؤثرون طاعة اللّه على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاء لهم على إيثارهم جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة ، فرب رزق لم ينتفع به الحريص عليه وإن كان كثيرا ، وربّ رزق قليل ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاح ، قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 97 ] . وقال حكاية عن خطاب نوع قومه فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [ نوح : 10 - 12 ] . وذيل الكلام بقوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لأن اللّه يرزق الرزق لمن يرضى عنه سليما من الأكدار والآثام ، ولأنه يرزق خير الدنيا وخير الآخرة ، وليس غير اللّه قادرا على ذلك ، والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا اللّه وهو العالم بالسرائر .